الشوكاني

230

فتح القدير

قوله ( إذا جاءك المنافقون ) أي إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك ، وجواب الشرط قالوا ، وقيل محذوف ، وقالوا حال ، والتقدير : جاءوك قائلين كيت وكيت فلا نقبل منهم ، وقيل الجواب - اتخذوا أيمانهم جنة - وهو بعيد ( قالوا نشهد إنك لرسول الله ) أكدوا شهادتهم بأن واللام للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم ، والمراد بالمنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، ومعنى نشهد نحلف ، فهو يجري مجرى القسم ، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم ، ومن هذا قول قيس بن ذريح : وأشهد عند الله أني أحبها * فهذا لها عندي فما عندها ليا ومثل نشهد نعلم ، فإنه يجري مجرى القسم كما في قول الشاعر : ولقد علمت لتأتين منيتي * إن المنايا لا تطيش سهامها * وجملة ( والله يعلم إنك لرسوله ) معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ، وهو ما أظهروه من الشهادة ، وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) أي في شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب وخلوص الاعتقاد ، لا إلى منطوق كلامهم ، وهو الشهادة بالرسالة ، فإنه حق ، والمعنى : والله يشهد إنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب وموافقة باطن لظاهر ( اتخذوا أيمانهم جنة ) أي جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم وإن محمدا لرسول الله وقاية تقيهم منكم وسترة يستترون بها من القتل والأسر ، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم عليه ، وقد تقدم قول من قال إنها جواب الشرط . قرأ الجمهور " أيمانهم " بفتح الهمزة ، وقرأ الحسن بكسرها ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة المجادلة ( فصدوا عن سبيل الله ) أي منعوا الناس عن الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة بسبب ما يصدر منهم من التشكيك والقدح في النبوة . هذا معنى الصد الذي بمعنى الصرف ، ويجوز أن يكون من الصدود : أي أعرضوا عن الدخول في سبيل الله وإقامة أحكامه ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) من النفاق والصد ، وفي ساء معنى التعجب والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم ذكره من الكذب والصد وقبح الأعمال ، وهو مبتدأ وخبره ( بأنهم آمنوا ) أي بسبب أنهم آمنوا في الظاهر نفاقا ( ثم كفروا ) في الباطن ، أو أظهروا الإيمان للمؤمنين وأظهروا الكفر للكافرين ، وهذا صريح في كفر المنافقين ، وقيل نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا . والأول أولى كما يفيده السياق ( فطبع على قلوبهم ) أي ختم عليها بسبب كفرهم . قرأ الجمهور " فطبع " على البناء للمفعول ، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور بعده ، وقرأ زيد بن علي على البناء للفاعل ، والفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه ، ويدل على هذا قراءة الأعمش " فطبع الله على قلوبهم " ( فهم لا يفقهون ) ما فيه من صلاحهم ورشادهم وهو الإيمان ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ) أي هيئاتهم ومناظرهم ، يعني أن لهم أجساما تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق ( وإن يقولوا تسمع لقولهم ) فتحسب أن قولهم حق وصدق لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم ، وقد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين فصيحا جسيما جميلا ، وكان يحضر مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقالته . قال الكلبي : المراد عبد الله بن أبي وجد بن قيس ، ومعتب بن قيس كانت لهم أجسام